السيد محمد تقي المدرسي

192

من هدى القرآن

حيث يلقى الإنسان حسابه ومصيره الأبدي ، ولأنه الهدف الأساسي من وراء كل أحداثها ومشاهدها المرعبة . « يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ » وإذا كانت لا تخفى عند الحساب والجزاء ولا حتى واحدة من الأعمال التي أخفاها الإنسان وقام بها في السر ، فكيف بالظاهر منها ؟ فالحساب إذن دقيق ، لأنه يتأسس على علم الله المحيط بكل شيء ، وبالحساب يوم القيامة يتجلى عدل الله ولطفه وغضبه وعلمه ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ اللهِ حَتَّى يَسْأَلَهُ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ : عُمُرِكَ فِيمَا أَفْنَيْتَهُ وَجَسَدِكَ فِيمَا أَبْلَيْتَهُ وَمَالِكَ مِنْ أَيْنَ كَسَبْتَهُ وَأَيْنَ وَضَعْتَهُ وَعَنْ حُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْت ] « 1 » ، ويعرض أعمال العباد ليظهر الحق جليًّا ، كما تتأكد القارعة والواقعة بوقوعها ، ولذلك سميت القيامة بالحاقة . وكلمة أخيرة : إننا نلاحظ في القرآن أنه لا يكاد يتحدث عن التاريخ ومصير الأقوام السالفة إلا ويصل ذلك بالحديث عن الآخرة ، فما هو السر في ذلك وما هي العلاقة بينهما ؟ . 1 - لأن الإسلام لا يريد للإنسان أن يعيش لحظته الراهنة فقط ، إنما يعيش الحاضر على ضوء الماضي والمستقبل معا ، فيتحرك من حيث انتهى الآخرون ، ويتعظ بتجاربهم لبناء حياة سعيدة في الحاضر ، وفي الوقت نفسه يخطط ويعمل لكي يربح المستقبل . 2 - ولأن الآخرة كما التاريخ غيب لا سبيل للإنسان إلى معرفته إلا بالآيات والآثار الدالة عليه ، والذي يكفر بالآخرة لأنه لا يعاينها بذاتها كالذي يكفر بالتاريخ لأنه لم يعاصر أحداثه ، مع أن الأدلة قائمة تهدي إليه . 3 - ويتشابه التاريخ مع الآخرة في كون الاثنين عرصة تكشف عن سنة الجزاء الحاكمة في الحياة ، وهيمنة الله عليها ، وتمايز المؤمنين من سواهم ، وهكذا الكثير من الحقائق ، بل إن التاريخ هو الآية المادية العظمى التي تهدي إلى الإيمان بالآخرة والجزاء .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 7 ، ص 259 .